العدد4154-الثلاثاء-31-10-2017

جديد الأخبار

الديار هذا الصباح

الديار اليوم

الأولى


الأخيرة

إستطلاع

ما رأيك بالموقع الاكتروني الجديد؟

كاريكاتور

الديار الثقافي

أبو عودة: دعم صمود الشعبين الأردني والفلسطيني هو أساس الأمن القومي العربي

عدنان أبو عودة
الديار

4/17/2017 11:16:40 AM

اعداد : محمد سلامة-ثمة رجالات دولة تبوأوا مواقع سياسية رفيعة وشكلوا صورة حاضرة في ذاكرة الاجيال, فمواقفهم تبقى شاهدة على اختراقهم لبواطن الامور وتفسيرها, واضاءة الطريق لمن بعدهم, ومن هؤلاء الاستاذ عدنان ابو عوده الذي انخرط على مدى ربع قرن في السياسة الاردنية وتولى مناصب هامة أبرزها رئاسة الديوان الملكي. »ابو عودة« في كتابه اشكاليات السلام في الشرق الاوسط »رؤية من الداخل« تناول (18) ورقة ومحاضرة ومقالة اختارها من بين خمسين عملا مشابها كتبها ما بين (1976 ¯ 1998) عن مختلف التداعيات التي نشأت بعد حرب حزيران 1967م . ونظراً لأهميتها فاننا نضعها امام القارئ وعلى حلقات: على ضوء ذلك أود ان اذكر بعض التعليقات القصيرة ذات الصلة بالموضوع. 1 ¯ ان فك الاردن للعلاقة القانونية والادارية مع الضفة الغربية المحتلة في تموز عام 1988 وفي قمة تأثر العالم بالانتفاضة انما جاء لتأكيد ان الاردن هو الاردن, وفلسطين هي فلسطي, لقطع الطريق على القوى الاسرائيلية الناشطة التي وظفت وحدة الضفتين, لتأكيد مقولتها بأن الاردن هو فلسطين, ولوضع حد نهائي للمناورة الاسرائيلية التي استمرت واحدا وعشرين عاما. وقد جاء هذا القرار في هذا التاريخ وليس قبله لاسباب كثيرة مشروعة اهمها ان الانتفاضة لم تترك مجالا لنشوء فراغ سياسي وسيادي وهو ما كان سيحدث لو اتخذ الاردن هذا القرار قبل ذلك التاريخ. كما ان تماهي الانتفاضة مع اهداف منظمة التحرير واعلانها انها تعمل بقيادتها وضع الشعب الفلسطيني في صورة الدولة المستعمرة المناضلة في عهد تصفية الاستعمار الذي بدأ بنهاية الحرب الثانية, الامر الذي اكسبها تفهما وعطفا عالميين. 2 ¯ ان قرار فك العلاقة القانونية والادارية مع الضفة الغربية هو قرار اردني ومنظمة التحرير تفهمته ورحبت به وتصرفت على اساسه. اما الزعامة الاسرائيلية فانها ما زالت ترفض في تفكيرها قبوله لانها ما زالت تعتبر الاردن وطن الفلسطينيين. وبعبارة اخرى فك الاردنيون والفلسطينيون العلاقة القانونية والادارية, لكن التخطيط الاسرائيلي يصر على ربطها. 3 ¯ ويذكرني الموقف الاسرائيلي هذا بحدث تاريخي هام لم يقدّره العرب في حينه وهو قبول المغفور له عبدالله بن الحسين لانشاء امارة شرق الاردن في كنف بريطانيا مقابل اخراجها من الارض المشمولة بوعد بلفور, ويحق لنا ان نتساءل: ماذا لو لم يقبل الامير عبدالله بما قبل به وبقي الاردن جزءا من الارض التي يسري عليها وعد بلفور? اعتقد ان اسرائيل التي قامت عام 1948 على جزء من ارض فلسطين كانت ستشمل جزءآ كبيرا من الاردن للاسباب التالية: أ ¯ ان الشعب الاردني كان اقل كثافة من الشعب الفلسطيني. ب ¯ ان الشعب الاردني كان افقر من الشعب الفلسطيني. ج ¯ ان الشعب الاردني كان اقل حظا في التعليم من الشعب الفلسطيني, الامر الذي كان سيسهل على المستوطنين اليهود تأسيس مستوطناتهم في الاردن وهي المستوطنات التي كانت ستشكل نواة جسم دولة اسرائيل شرقي نهر الاردن. ماذا كان يمكن ان يحدث لو تم ذلك? الجواب: كان تاريخ المنطقة سيتغير. وما علينا الا ان نتصور كيف يمكن ان تكون مكانة اسرائيل عالميا حينما تشترك في حدودها مع العراق والسعودية بالاضافة الى سوريا ومصر ولبنان, وماذا يمكن ان تكون قوتها حينما تمتد رقعتها من المتوسط للصحراء ولعل من المفيد التذكير بأن بيغن هو تلميذ جابوتنسكي, وان شامير تلميذ بيغن, وان ايديولوجية حزب الليكود امتداد للحركة التصحيحية التي انشأها وقادها جابوتنسكي عام 1925 ¯ والتي عرفت بالانجليزية باسم REVISIONISM اي المراجعة. فهل يعلم السادة مراجعة ماذا? ان حركة جابوتنسكي قامت لتراجع وتصحيح ما قبله وايزمن عام 1922 مما جاء في الكتاب الابيض الذي اقر فيه تشرتشل فصل الاردن عن فلسطين فيما يتعلق بالارض المخصصة لتنفيذ وعد بلفور, وبعد مرور 68 عاما على صدور الكتاب الابيض يتسلم القيادة في اسرائيل احد تلاميذ المدرسة التصحيحية الذي يطلب منه ان يواجه المأزق الاسرائيلي الناجم عن البعد الديموغرافي الفلسطيني, بينما حزبه في موقع القيادة. اذن ليس امرا مفاجئا ان يرتفع من جديد شعار »الاردن هو الحل«. 4 ¯ وهكذا يتضح ان صلة الاردن بفلسطين على ضوء نظرة اسرائيل للبعد الديموغرافي الفلسطيني هي صلة ملازمة وثيقة ليس بسبب عاطفي قومي وحسب بل بسبب مصيري ووجودي. 5 ¯ وعليه فان دعم الاردن وصموده هو جزء لا يتجزأ من دعم وصمود الشعب الفلسطيني مثلما ان دعم الشعب الفلسطيني وصموده هو دعم للاردن وصموده, وان دعم وصمود الشعبين الاردني والفلسطيني هو استثمار حقيقي في الامن القومي العربي. 6 ¯ هنالك الكثير من الشواهد التي تشير الى تنامي تشديد اسرائيل على ان الاردن هو مخرجها من المأزق, ومعروف ماذا يعني ذلك وعليه فان التخلي عن دعم الاردن هو تخل عن فلسطين والتخلي عن دعم الفلسطينيين هو تخل عن الاردن اما التخلي عنهما فهو مقدمة المأساة قومية ادعوا الله ان نتمكن من درئها. 7 ¯ لقد وضعت الانتفاضة الفلسطينية اسرائيل وجها لوجه امام الاسئلة الكبرى التي يثيرها البعد الديموغرافي الفلسطيني ولعل الارقام التي نشرت خلال الانتفاضة والتي تتحدث عن تساوي الشعبين عددا عام 2030 هي اكبر دليل على حس اسرائيل بوطأة الاجابة عن هذه الاسئلة. وهذا الامر على اي حال لا يحتاج الى توضيح, ولكنني سأورد مثلا بسيطا ذا دلالة ومثل هذا المثل يتكرر بين الفينة والاخرى ولا اريد من ذكره سوى لفت انتباهكم اليه. فحينما يقع حادث تخريبي في اسرائيل مثل اضرام النار في سيارة اسرائيلية او قتل شخص يهودي او الاعتداء على مؤسسة اسرائيلية او غير ذلك, تذيع اسرائيل الخبر وينتهي مثل هذا الخبر عادة بالتعبير التالي: وتقوم الجهات الامنية المختصة بالتحقيق بالحادث وتعتقد انه تم على خلفية جنائياا وليس على خلفية تعصب قومي« ان تعبير تعصب قومي يعني قيام فلسطيني بعمل عدائي ضد هدف اسرائيلي لا لشيء الا لانه يتماشى مع اخوته الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة ويتعاطف معهم في قضيتهم. ان مثل هذا القول يشير بشكل واضح الى المخاوف الاسرائيلية والمأزق الاسرائيلي. فما هي فاعلة للخروج من هذا المأزق? وختاما فقد اردت من حديثي هذا ان احلل وافسر, لا لأتنبأ او لأضع وصفة عربية لمواجهة التخطيط الاسرائيلي او ماذا ستقدم على عمله. لكنني اعتقد ان كل من يتجرأ ويبادر الى وضع مثل هذه الوصفة لا بد ان يأخذ باعتباره عددا من الامور وفي مقدمتها: أ ¯ التطور الذي حدث على الصعيد العالمي والمتمثل بانتهاء حقبة الحرب الباردة وبداية تبلور نظام عالمي جديد على ضوء التغيرات التي طرأت على علاقات الدولتين العظميين وما رافقها من تغيرات في الاتحاد السوفياتي واوروبا الشرقية. واذا كان هناك ثغرات مكانية يمكن ان تنفذ منها الجيوش المتحاربة فهناك ثغرات زمانية يمكن ان يستفيد منها المتربص المقتدر لتحقيق اهدافه. وباعتقادي ان العالم الذي يعيش فترة بلورة نظام عالمي جديد وفق الحقائق والمتغيرات الجديدة قد خلق هذه الثغرة الزمانية. ب ¯ احتمال وقوف الدول العربية على عتبة سيرورة من التحول المترافق مع الفوضى قد تأخذ واحدا من شكلين اذا لم توجه وتضبط: 1 ¯ النموذج اللبناني. 2 ¯ النموذج الايراني. واذا ما اتخذت هذه السيرورة هذا الاتجاه ¯ لا قدر الله ¯ فان اسرائيل سترتاح لوقت ويل وربما تستغل هذا الوضع لتحسين موقعها ووضعها نتيجة ما يمكن ان يستتبع هذا النوع من السيرورة من استنزاف للطاقات ومن نتائج على الارض تكون لصالح اسرائيل. ج ¯ لولا صعود الحزب النازي الى سدة الحكم في المانيا عام 1933 لما قامت دولة اسرائيل عام 1948 فالحكم النازي وهو حدث اوروبي تاريخي هو الذي تسبب في تدفق هجرة اليهود الى فلسطين فعند بداية الحكم البريطاني سنة 1918 كانت نسبة اليهود بالنسبة لعدد سكان فلسطين 8% وفي عام 1932 اصبحت نسبتهم 31% اي نحو ثلث السكان, وفي كتابه »فلسطين في ضوء الحق والعدالة« يذكر هنري كتن الارقام الواردة في المذكرة البريطانية الى لجنة الامم المتحدة الخاصة بفلسطين, وسأورد بدوري رقمين منها لصلتها بهذا الموضوع. بين عام 1922 وعام 1932 دخل فلسطين 430,0000 مهاجر يهودي. والحكم النازي لم يوفر للحركة الصهيونية مادتها الاساس فقط ممثلة باليهود من اجل تنفيذ مشروعها. بل قام ايضا بتسهيل عملية تأسيس الدولة دون قصد حينما ارتكب ما ارتكب من مجازر ضد اليهود في اوروبا وهو الامر الذي وفر للصهيونية العطف الاوروبي والاميركي الغامر الذي خنق وعي الغرب على مصالحه في الشرق الاوسط وهزم حس شعوبه الانساني بالعدل تجاه الشعب الفلسطيني . واذا كان العالم من منطلق انساني محض قد رأى في اليهود الذين أبيدوا في معسكرات الاعتقال النازي ضحايا فقد كانوا بالنسبة لقادة الحركة الصهيونية تضحيات, اذ لولاهم لما انتصرت قضيتهم في مرحلتها الاولى وهي مرحلة تأسيس الدولة. واليوم نعلم كما يعلم العالم ونرى كما يرى الاخرون, بداية لتدفق موجة جديدة من المهاجرين اليهود الى فلسطين, شبيهة في حجمها وتوقيتها بموجة المهاجرين الكبرى الاولى في العهد النازي, فاذا كانت الموجة الاولى التي نجمت عن حدث اوروبي قد قدمت لانشاء اسرائيل, فماذا ستقدم له الموجة الثانية الناجمة عن حدث اوروبي آخر? هل ستكون النتيجة تكريس امتداد اسرائيل حيث مواقعها العسكرية في لبنان والجولان وعلى نهر الاردن? من جانبه اجاب شامير عن هذا السؤال حينما وصف الموجة الجديدة من المهاجرين السوفيات بالمعجزة. فهل سنتقدم من جانبنا بجواب? وماذا سيكون هذا الجواب? هل سنتركه للملك حسين? ام للسيد عرفات? ام لكليهما? ام اننا سنلجأ اخيرا الى جوابنا المعجزة فنفعل الثابت القومي المعطل في معادلة النزاع العربي الاسرائيلي اشكركم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. هجرة اليهود السوفياتي الى اسرائيل واثارها مقدمة احتلت الموجة الراهنة لهجرة اليهود من الاتحاد السوفياتي الى اسرائيل الصفحات الاولى من الصحف لانها جاءت نتيجة للبيروستروكيا, وتزامنت مع الاضطرابات والتحولات في اوروبا الشرقية. فبقرار مفاجئ اشرعت موسكو ابوابها لكل من يريد المغادرة, وكما هو الشأن في معظم الاحداث, كان هذا الحدث سيتراجع عن مركز الاهتمام ليفسح الطريق امام احداث وتطورات اخرى جديدة غير ان ما حدث هو العكس, وظلت هجرة اليهود السوفياتي الى اسرائيل موضع خلاف وجدل وذلك لبعدها السياسي الذي اثار قلق ومعارضة العرب والفلسطينيين فهذه الموجة من الهجرة تأتي في مرحلة حاسمة من الصراع العربي ¯ الاسرائيلي وفي غياب التسوية السلمية فانها تهدد مسيرة السلام والاستقرار في المنطقة وتنتهك حقوق الانسان الفلسطيني. وكانت اسرائيل تحاول التركيز على جانب واحد من الموضوع وهو حقوق الانسان اليهودي, غير ان الاجماع العالمي لم يعد على استعداد لاعتبار هذه بمثابة حقوق, اذا كانت على حساب حقوق الانسان لشعب اخر ولذلك يتم بحث هذا الموضوع على المستوى الدولي في مجلس الامن بينما يسعى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لعقد قمة عربية تبحث هذا الموضوع والمسائل الاخرى المتصلة به. ولو كانت هجرة اليهود السوفياتي الى اسرائيل مظهرا او مثلا اخر عن انتصار الكفاح في سبيل حقوق الانسان لما اجتمعنا هنا لبحث هذه الهجرة. بل كنا سنعبر عن ابتهاجنا وننتقل الى مواضيع اخرى, والحقيقة لقد كانت الهجرة اليهودية الى فلسطين طيلة قرن ونيف من اخطر المواضيع السياسية التي اوجدتها الحركة الصهيونية. كانت الارض منذ قيام اسرائيل هي السبب الرئيسي للنزاع الذي استمر بين اسرائيل من جهة وبين الفلسطينيين, والعرب من خلفهم من جهة اخرى, وان انسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلها في حرب حزيران 1967 هو الاساس المتفق عليه عالميا لتسوية النزاع سلميا. وليس من شك في ان موجة الهجرة الراهنة في هذه المرحلة من مسيرة السلام قد انعشت العوامل الاخرى للنزاع وهي العوامل التي ظلت كامنة منذ الثلاثينات عندما كانت هجرة اليهود الى فلسطين السبب الرئيسي للنزاع. وسأحاول في هذه الورقة تحليل البعد السياسي لهجرة اليهود الى اسرائيل واثارها على مسيرة السلام. الخلفية التاريخية والأيديولوجية لقد اعتبرت الصهيونية احدى الحركات التي تسعى لحل المشكلة اليهودية. وبكلمات اخرى انهاء ذلك الوضع الذي كان فيه اليهود ينظرون الى انفسهم كجالية مميزة وغالبا ما تتعرض للاضطهاد في اوروبا والحلم الصهيوني في جوهره يتألف من جزئين يتممان بعضهما: تأمين ارض لوطن يهودي وتوطين ما يكفي من اليهود فيها لتكوين امة ولتحقيق هذا الهدف ظهرت حركتان رئيسيتان: 1 ¯ الصهيونية السياسية التي سعت للحصول على صك دولي يسمح بهجرة يهودية جماعية الى فلسطين او اي ارض اخرى بعيدة عن اوروبا, وكان الدعاة الرئيسيون في هذه الحركة هم خصوم فكرة الاندماج امثال ثيودور هيرتزل وفلاديمير جابوتنسكي. 2 ¯ الصهيونية الثقافية التي كانت تدعو للهجرة الى فلسطين كجزء من انبعاث نهضة يهودية شاملة لايجاد مجتمع يهودي جديد يعتمد على مصادره الخاصة لتحقيق اهدافه وكان من ضمن المؤيدين الرئيسيين لهذا الاتجاه الذي هيمن على التفكير الصهيوني اشير جينزبيرغ (احاد هاعام) والعازر بن يهودا. وكانت الحركتان تختلفان ايضا في المقاربة بالنسبة لمصير العرب في فلسطين, اذ بينما اقترح هيرتزل نقلهم عبر نهر الاردن كان دعاة الصهيونية الثقافية على قناعة بأن الثقافة اليهودية التي سيوجدونها ستتفوق على الثقافة العربية وتحل محلها. وهكذا قامت الصهيونية على فرضية ان الاغيار (اي غير اليهود) هم اعداء بالفطرة لليهود وان الخلاص لليهود لا يتحقق الا بهجرتهم الى وطنهم الذي ينبغي ان يؤسسوه ويحافظوا عليه بايجاد حقائق ثابتة على الارض من شأنها ازالة المجتمعات التي تعيش هناك والحلول محلها. ووفقا لهذه الايديولوجية وبهذه الطريقة قامت اسرائيل على جزء من فلسطين, وانشأت مؤسسات دولة هناك. اما موجة الهجرة الخامسة التي أتت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وقيام اسرائيل فقد كان من شأنها تقوية الدولة. وتظهر دراسة موجات الهجرة هذه ان اكبرها أتت الى اسرائيل نتيحة تزامن عاملين: خطر يهدد اليهود في موطنهم, وعدم قدرتهم على الهجرة الى مكان اخر غير فلسطين. وليس من غايات هذه الدراسة على اي حال اثبات تواطؤ الصهيونية في المذابح التي تعرض لها اليهود, لكن احدا لا يشكك في حقيقة ان تلك المذابح كانت العامل الرئيسي في هجرة اليهود من اوروبا, وان العامل الحاسم الذي حمل اغلبيتهم على الهجرة على فلسطين هو عدم استطاعتهم الذهاب الى العالم الجديد. واستمرت الهجرة الى اسرائيل في العقود اللاحقة, لكن لم يحدث تدفق كبير من المهاجرين, بل بدأت هجرة معاكسة من اسرائيل ارتفعت معدلاتها في السبعينات وواصلت الارتفاع خلال الثمانينات وهو ما اقلق المسؤولين الاسرائيليين خاصة وان الهجرة المعاكسة فاقت الهجرة الى اسرائيل كما هو موضح في الجدول الاول. هجرة اليهود السوفياتي الى اسرائيل والاراضي المحتلة: بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 لم تشعر اسرائيل بحاجة لممارسة الطرد الجماعي للسكان العرب كما فعلت عام 1948 بل انها رأت فيهم مصدرا للعمالة الرخيصة للاقتصاد الاسرائيلي المزدهر آنذاك, وسوقا للمنتجات الاسرائيلية. وبدل الطرد الجماعي للعرب اكتفت اسرائيل بالسيطرة على المناطق المحتلة وتحديد النمو السكاني في المجتمع العربي, كما سيتم ايضاحه فيما بعد, وكانت اسرائيل منذ البداية تسعى لترسيخ وتعزيز الاحتلال عن طريق بناء مستوطنات في الاراضي المحتلة, ومصادرة الاراضي ومصادر المياه وفقا للعقيدة الصهيونية في خلق حقائق جديدة على الارض يكون من شأنها تجاوز اي حديث حول شرعيتها. وباستثناء القدس كانت سعة وقدرة المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي المحتلة على الاستيعاب اكبر من عدد المستوطنين وظل الاردن طيلة السنوات الماضية يحذر من ان اسرائيل تعد العدة وتمهد الارض لتدفق يهودي الى الاراضي المحتلة وتعمل على احضار مهاجرين جدد. غير ان السياسيين وخاصة في الكونغرس الاميركي كانوا يشيرون الى عدد المستوطنات القليل نسبيا في محاولة فاشلة لتسكين قلق الاردن من المستوطنات, اما حقيقة الامر فهي ان اسرائيل لم تكن تجد ما يكفي من اليهود للسكن في تلك المستوطنات وبالتالي ايجاد اغلبية يهودية في المناطقة المحتلة. لقد كان معظم اليهود الاميركيين والغربيين على استعداد للهجرة اليها والتخلي عن مستوى معيشتهم في تلك الاقطار, وكان ما تبقى من الجاليات اليهودية ذات الاعداد الكبيرة تعيش في شرق اوروبا وخاصة في الاتحاد السوفياتي, ولاحضارهم الى اسرائيل لا بد من توفر ثلاثة شروط: الاول: ان يسمح لهم الاتحاد السوفياتي بالهجرة. والثاني: ان ترفض اقطار الغرب استقبالهم. والثالث: وجود خطر يتهددهم اذا ظلوا في اماكنهم. لقد اضيف موضوع هجرة اليهود السوفيات الى اجندة السياسة الاميركية بعد تعيين هنري كيسنجر مستشارا للامن القومي للرئيس نيكسون في ولايته الاولى واعتمد كيسنجر على سلاح القمح الاميركي ووضع الدولة ذات المصالح الاجدر بالرعاية, لاقناع الزعماء السوفياتي بالسماح بهجرة اليهود. وتعززت هذه الحملة السياسية في بواكير السبعينات بحملة من الارهاب ضد السفارات والمكاتب السوفياتية في اميركا وأوروبا اضطلعت بها عصبة الدفاع اليهودي بتدبير واشراف مئير كاهانا. وقد تم التخطيط لهذه الحملة التي يدعمها الموساد منذ كانون اول 1969 من قبل اسحق شامير وعضو الكنيست غيئولا كوهين. ونتيجة لذلك ارتفع عدد المهاجرين من اربعمائة مهاجر عام 1968 الى (35) الف مهاجر عام 1973 وكان الاتحاد السوفياتي قد فرض عام 1972 ضريبة مغادرة حملت الكثيرين من اليهود على التردد في المغادرة. وفسر كيسنجر ذلك بأنه محاولة لاسترضاء العرب, خاصة بعد ان قام انور السادات بطرد المستشارين السوفيات من مصر, ورد الكونغرس على ذلك بالمصادقة على تعديل (جاكسون ¯ فانيك) على قانون التجارة في تشرين اول 1972 حيث حظر منح وضع الدولة الاكثر رعاية لاية دولة شيوعية تقيد حرية رعاياها في الهجرة. وسمح الاتحادالسوفياتي باستمرار الهجرة ولكن باعداد محدودة. ومن الواضح ان هذا الموقف السوفياتي لم يكن اعتراضا على مبدأ هجرة اليهود, لكنه لم يشأ الاذعان علنا للضغوطات الاميركية خاصة في موضوع يعتبر من الشؤون الداخلية بكل المعايير. وكانت اعداد متزايدة من اولئك المهاجرين يختارون الذهاب الى اميركا او كندا, ولم تفكر اسرائيل آنذاك بتقييد عدد المهاجرين (الكوتا) الى اميركا. اما الاتحاد السوفياتي الذي تعرض الى حملة دعائية معادية حتى يسمح لليهود بالمغادرة على اساس حقوق الانسان, فقد كان باستطاعته الاشارة باسلوب ساخر الى حق الهجرة من جهة وحرمان المهاجر من حق اختيار المكان الذي يهاجر اليه من جهة اخرى. لكنه عندما استدعت عملية اعادة بناء الاتحاد السوفياتي اعادة النظر بالدور السوفياتي العالمي, وسمحت الزعامة الجديدة بهجرة اليهود بهدف التقارب مع الغرب, سارعت اسرائيل للضغط على اميركا حتى تقيد عدد اليهود السوفياتي (الكوتا) الذين توافق على استقبالهم وعندما عرضت النمسا استعدادها لاستقبال (30) الف مهاجر يهودي سوفياتي سنويا شنت عليها اسرائيل حملة شعواء, ووصفت العرض بأنه معاد لليهود, كما وصفت النمسا بأنها اشد الاقطار (لا سامية) في اوروبا. اما فيما يتعلق بخلق خطر ماثل يتهدد اليهود اذا فضلوا البقاء في اماكنهم, فيمكن ملاحظته بالتغطية الاعلامية المكثفة عن انبعاث القومية الروسية ومخاطر انتعاش اللاسامية, وهناك عنصر آخر هو عدم قدرة اليهود السوفياتي على العودة الى الاتحاد السوفياتي, اذ انهم كانوا يفقدون جوازات سفرهم حال مغادرتهم ويستلمون بدلا عنها وثيقة سفر صالحة لرحلة واحدة. بعد هذه الحزمة من الاجراءات لارغام اليهود السوفيات على الذهاب الى اسرائيل والبقاء فيها ارتفع حجم الهجرة الى (33) الفا في الخمسة عشر اسبوعا الاولى من عام 1990 وفقا للاذاعة الاسرائيلية وفي شهر شباط وصل ستة الاف مهاجر مقارنة بخمسمائة مهاجر وصلوا في نفس الشهر في العام السابق. ومن اصل السبعة الاف مهاجر الذين غادروا الاتحاد السوفياتي الى اسرائيل في شهر اذار اختار عشرون منهم فقط التوجه الى مكان اخر غير اسرائيل مقارنة بما نسبته (68) بالمئة في الفترة الممتدة من عام 1978 حتى عام .1983 وفي شهر نيسان اعلنت الاذاعة الاسرائيلية ان عشرة الاف مهاجر قدموا الى اسرائيل ومن المتوقع ان تصل هذه الحركة الذروة في اشهر الصيف اي بعد انتهاء السنة الدراسية في الاتحاد السوفياتي, كما يتوقع ان يصل عدد المهاجرين الاجمالي هذا العام الى مائة الف, بينما سيبلغ عدد المهاجرين خلال السنوات الخمس التالية (750) الفا وربما (1,5) مليون مهاجر حسب بعض التوقعات. وتدرس الحكومة الاسرائيلية الان خطة من خمس سنوات لتوطين المهاجرين وتقترح هذه الخطة توطين تسعة بالمئة من المهاجرين الجدد في القدس. خلال عقد التسعينات, بالاضافة الى ما نسبته 40 الى 45 بالمئة سيتم استيعابهم في السهل الساحلي. اما البقية فسيتم توطينهم في منطقة معالوت مجدل هاعميت في بير السبع وفي بلدة (موداعين) الجديدة التي ستبنى لهذا الغرض شرق الرملة على طرف الخط الاخضر. بالنسبة للاراضي المحتلة وعلى ضود ردود الفعل الدولية حول تعليقات رئيس الوزراء اسحق شامير عما يسميه (اسرائيل الكبرى) فان معظم المصادر تؤكد بأن المهاجرين الذين يستوطنون في الاراضي المحتلة لا يشكلون اكثر من (1,5) بالمئة من مجموع المهاجرين وحتى لو قبلنا هذه الاحصائية فهي تعني ان (11,250) مهاجرا سيستوطنون الاراضي المحتلة, وبذلك يزيد عدد المستوطنين الذين يقدر عددهم الان (70) الف مستوطن بنسبة (16) بالمئة وسيزداد العدد طبعا اذا وضعنا بالاعتبار ال¯(67,500) مهاجر (الذين يشكلون 9% من المهاجرين) الذين سيستوطنون القدس حسب الخطة المقترحة. علاوة على ذلك فمقولة ان اسرائيل لم تشجع المهاجرين الجدد على الاستيطان في الاراضي المحتلة خادعة. حيث تؤكد اسرائيل انهم يتلقون نفس المعاملة التي يتلقاها الاسرائيليون رغم انهم يتلقون مجموعة كبيرة من الحوافز للاستيطان في الاراضي المحتلة من بينها: 1 ¯ يتلقى المستوطنون الذين لا بيوت لهم معونات مالية مباشرة تتراوح بين 9750 دولار و21000 دولارا, حسب حجم عائلته, اما الذين يتجهون الى المدن الصغيرة او البعيدة عن الخط الاخضر فيتلقون معونات تتراوح بين 6500 دولار و20200 دولار. 3 ¯ يعطى المستوطنون الجدد قروضا بفائدة على 35% من قيمتها, وتستحق الفائدة على 25% من قيمة القرض اذا دفعت في وقت اقل من الوقت الممنوح لسداده. 4 ¯ تدفع الحكومة تكاليف ربط شبكات المياه والمجاري واية خدمات بلدية اخرى مع منازل المستوطنين داخل الخط الاخضر. اما في اسرائيل فان اصحاب الاملاك هم الذين يدفعون هذه التكاليف ما عدا الذين يسكنون في المستوطنات البعيدة جدا. 5 ¯ يستطيع المستوطنون في الاراضي المحتلة بناء بيوت بالاحجام التي يريدونها وتستمر الحكومة بتزويدهم بالقروض الخاصة في حينه انها لا تمنح مثل هذه القروض الخاصة او التسهيلات للمنازل داخل اسرائيل والتي تزيد مساحتها عن الحد المقرر. 6 ¯ المعونات المالية للطلاب في مدارس المستوطنات اعلى من تلك المقدمة لطلاب المدارس في اسرائيل نفسها. وتدعم الحكومة ايضا اطفال المستوطنين الذين ينتقلون بالباصات الى مدارسهم داخل اسرائيل. 7 ¯ في ميزانية هذا العام وافقت لجنة الكنيست المالية على تخصيص 20 مليون شيكل للحركة الاستيطانية. 8 ¯ وفي اذار اقترح اسحاق بيريز وزير الاستيعاب ان يعفى اصحاب الاملاك في اسرائيل من عوائد تأجير املاكهم للمهاجرين الجدد اذا ارادوا الاستيطان في الاراضي المحتلة. واذا تمت الموافقة على هذا الاقتراح وتبنته الحكومة كقانون فانه سيؤدي الى انتقال الاسرائيليين المتشددين الى الاراضي المحتلة موفرين منازلهم للمهاجرين الجدد الذين يميلون الى معارضة اضطهاد الفلسطينيين. طرد العرب من المناطق المحتلة تمارس اسرائيل فضلا عن البرنامج الاستيطاني سياسة مزدوجة لتقييد النمو الديموغرافي لسكان المناطق المحتلة. ويعقد الجدول رقم (3) مقارنة للسكان الفلسطينيين في المراكز الرئيسية المكتظة بين عامي 1950 و1984 مع احتساب نسبة النمو خلال هذه الفترة ومعدل النمو السنوي, ولو ان عدد السكان ازداد او انخفض نتيجة للنمو السكاني او التنقل الطبيعي فان من شأن طول هذه الفترة استبعاد اية تقلبات موسمية وبالتالي يكون التفاوت بسيطا في معدلات النمو السكاني السنوي, غير ان التفاوت الكبير في البيانات الاحصائية وعلى مستوى كافة المراكز السكانية يشير الى حركة سكانية كبيرة ومتواصلة من الضفة الغربية وقطاع غزة نحو مراكز اخرى خاصة الى الاردن واقطار الخليج والولايات المتحدة الاميركية. ولا شك ان هذه الحركة هي نتيجة للسياسات الاقتصادية الاسرائيلية منذ عام 1967 وهي السياسات التي كانت تحول دون ايجاد فرص عمل للفلسطينيين في الاراضي المحتلة, ولنأخذ مثلا على ذلك : فخلال الخمسة عشر عاما الممتدة من 1970 حتى 1985 ارتفعت معدلات حجم الاستخدام من (152) الى (153) الفا وهو ارتفاع هامشي بكل المعايير, ويتعين علي الفلسطينيين السفر يوميا الى اسرائيل حيث تتوفر (68) الف فرصة عمل من الاعمال التي لا تتطلب مهارة, اما العبدء الاكبر فيتحمله الاردن الذي خلق مائتي الف فرصة عمل لاستيعاب النازحين الفلسطينيين في مرحلة ما بعد .1967 بالاضافة الى الخنق الاقتصادي والاضطهاد السياسي والضرب اليومي والسجن لآماد طويلة وتعذيب المعتقلين دون تهمة وحرمانهم من حق تعيين محامين ناهيك عن تدمير المنازل وقتل المشبوهين دون محاكمة, كل ذلك ارغم الكثيرين من الفلسطينيين على مغادرة الاراضي المحتلة, ويظهر الجدول رقم (4) كيف انه تحقق نمو سكاني في الضفة الغربية مقداره (74,200) نسمة خلال عقد واحد يبدأ عام 1955 وينتهي عام 1965 وكيف انخفض عدد السكان ب¯(179) الفا نسمة في السنوات الخمس التالية ولم يزد عدد السكان عن مستوى عام 1965 في الخمس عشرة سنة التالية. وقد حدث انخفاض سكاني مشابه في قطاع غزة مع انه كان اسرع في استعادة نسبة النمو, وقد توجه معظم الذين غادروا الاراضي المحتلة الى الاردن. لقد عززت سلطات الاحتلال الاسرائيلي هذه الجهود الرامية الى تفريغ الاراضي المحتلة من السكان باجرائين آخرين: الأول: اللجوء الى اجراءات ادارية لمنع اولئك الذين يغادرون الاراضي المحتلة لزيارة الاقارب او البحث عن العمل منالعودة. وبين عامي 1983 و1989 حضر الى الاردن (45) الف فلسطيني من الضفة الغربية ولم يستطيعوا العودة اليها منهم (35) الفا حضروا بعد ان بدأت الانتفاضة. الثاني: طرد بعض افراد الاسرة بحجة انهم ليسوا مقيمين اصليين في الاراضي المحتلة, وذلك لارغام بقية افراد الاسرة على المغادرة وقد تم طرد (164) اما شابة رغم انهن ولدن وتعلمن وتزوجن في الاراضي المحتلة. اثر الهجرة اليهودية على مسيرة السلام في سبيل تحليل اثار هذه الموجة من المهاجرين الى اسرائيل, من الضروري ان نستذكر حالة المسيرة قبل ان تبدأ الهجرة ومواقف المعسكرين السياسيين الرئيسيين في اسرائيل منها, وهناك اجماع دولي تقريبا بأن العناصر الاساسية للسلام هي: 1¯ قرارا مجلس الامن 242 و338 اللذان يدعوان الى انسحاب القوات الاسرائيلية من المناطق التي احتلتها في حرب ,1967 على اساس مبدأ عدم جواز اكتساب الارض بالقوة. 2 ¯ حق كافة اقطار المنطقة بأن تعيش في سلام ضمن حدود معترف بها دوليا والتزام كافة اقطار المنطقة بالتعايش السلمي. 3 ¯ حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم. 4 ¯ مفاوضات مباشرة في مؤتمر سلام دولي يعقد برعاية الأمم المتحدة. لكن حزب الليكود يرفض العنصر الاول والثالث والرابع من عناصر السلام بغض النظر عن المهاجرين اما الحل الذي يريده فهو منح الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة نوعا من الحكم الذاتي لا يشمل السيطرة على الارض والملكية والمصادر الطبيعية مع الحفاظ على ارتباطهم السياسي بالضفة الشرقية. وبكلمات اخرى جعل سكان الاراضي المحتلة مجرد مقيمين غرباء في اسرائيل ليست فهم اي حقوق سياسية فيها. مع الابقاء على ما يكفي منهم لتلبية متطلبات الاقتصاد الاسرائيلي من العمالة الرخيصة اما الباقي فسيهاجرون كنتيجة طبيعية للاجراءات الادارية والاقتصادية التي ذكرناها سابقا. بيد ان هذه الصيغة او المعادلة فشلت في تأمين العنصر الرئيسي لنجاحها وهو موافقة الاردن على التعاون وذلك رغم الضغوطات التي تعرض لها في السنوات الاخيرة من ولاية الرئيس ريغان, وعندما اعلن الاردن رفضه لهذا الاقتراح وقام بفك الارتباط الاداري والقانوني مع الضفة الغربية في تموز 1988 بدأت اسرائيل بانعاش اقتراح (الوطن البديل) الذي يدعو الى تحويل الاردن الى دولة فلسطينية وبالتالي القضاء على اي ادعاء بأن سكان المناطق المحتلة ليسوا مواطنين في الدولة شرقي النهر. ويتم الترويج لهذا الاقتراح الان بنشاط في الغرب بواسطة وكالات الدعاية الاسرائيلية وجماعات الضغط (لوبي) التابعة لها بالاضافة الى بعض الجماعات الخاصة مثل (لجنة الاردن هو فلسطين) ومركزها في لندن ورئيسها الفخري اللورد بلفور وهو احد احفاد اللورد بلفور صاحب الوعد الذي عرف باسمه. وبعد الانتخابات الاسرائيلية عام 1988 تعرض الليكود للضغط حتى يتحرك نحو السلام وذلك لأربعة اسباب رئيسية هي: 1 ¯ ان الادارة الاميركية الجديدة لم تتبن سياسات الادارات السابقة في دعم اسرائيل دون نقاش. 2 ¯ استمرار الانتفاضة الفلسطينية التي غيرت مفاهيم الاميركيين حول طبيعة النزاع حتى بين الجاليات اليهودية. لدرجة ان بعضهم اوضح بأن استمرار دعمهم لاسرائيل يعتمد على تغيير ممارساتها في الاراضي المحتلة. 3 ¯ التهديد الذي شكله ما اصبح يعرف ب¯(القنبلة الديموغرافية) العربية. 4 ¯ هجوم السلام الذي شرعت فيه منظمة التحرير الفلسطينية والاعتراف الدولي بموقفها الجديد. واستجابة لهذه التطورات عرض رئيس الوزراء اسحق شامير خطة سلام في ايار 1989 في محاولة لكسب الوقت وكان يأمل كما يبدو بأن يرفض العرب او معظمهم على الاقل مقترحاته وبذلك يتحول الضغط عنه ليتركز عليهم حتى يتقدموا بجواب تقبله اسرائيل. وعندما لم يحدث ذلك بدأ يسعى لمنع احراز اي تقدم في مسيرة السلام والتشكيك بهجوم السلام الفلسطيني واعادة منظمة التحرير الفلسطينية والعالم العربي الى ضجيج المجابهة الذي لا يلحق اي ضرر باسرائيل بل انه يكسبها تعاطف العالم. بعد سنة من الجهود الدبلوماسية المضنية, نجحت الحكومة الاسرائيلية في تحريك خطتها الخاصة بالسلام خطوتين الى الوراء على طريق السلام. وبدل عقد محادثات مع وفد فلسطيني حول الانتخابات وامور اخرى فقد تركزت المحادثات على اجتماع ثلاثي لبحث اختيار اعضاء الوفد الفلسطيني الذي سيبحث فيما بعد مسألة الانتخابات مع وفد اسرائيلي. وكل ذلك تمهيدا لمسيرة السلام وليس جزءا منها, وكان ذلك على اي حال اكثر مما يستطيع الليكود منحه كما ثبت بعد ذلك عندما لم يتجاوب شامير بشكل ايجابي مع مقترحات وزير الخارجية الاميركية جيمس بيكر. وهكذا جاء موجة المهاجرين السوفيات كهبة الهية لليكود, وقد اعترف شامير بذلك اثناء احاديثه المتكررة عن (اسرائيل الكبرى) حيث وصف هجرة اليهود السوفياتي بالمعجزة التي ستحل كافة مشاكل اسرائيل كالمعجزات الاخرى التي انقذت الشعب اليهودي عبر التاريخ. ومن الضروري ان نلاحظ هنا ان تراجع السيد شامير وزعمه بأنه كان يقصد اسرائيل (قوية) من عبارة (اسرائيل الكبرى) هو مجرد خداع, لانه قال بالحرف : »اننا بحاجة الى اسراذيل كبرى لاستقبال هؤلاء المهاجرين.. ونحتاج الى الارض لتوطينهم«. وتعتمد قناعة شامير هذه على خمسة اسباب وهي: 1 ¯ ان المطالبة بالمناطق المحتلة بحجة توطين المهاجرين ستجد آذانا صاغية في اسرائيل. 2 ¯ ان موجة المهاجرين ستبطل مفعول القنبلة الديموغرافية الفلسطينية. 3 ¯ ان الجاليات اليهودية في اميركا ستتغلب على شكوكها وهواجسها وتتحد في دعم السياسات الاسرائيلية التي تهدف الى استيعاب المهاجرين. 4 ¯ ان توطين المهاجرين في القدس والاراضي المحتلة سيخلف حقائق ثابتة على الارض وهو ما يتسق تماما مع العقيدة الصهيونية. 5 ¯ ان المهاجرين ومعظمهم من حملة الشهادات العالية والفنيين المهرة سيساهمون في ازدهار الاقتصاد الاسرائيلي ويوفرون ما يكفي من الاحتياطي العسكري للدفاع عن الاحتلال وربما القيام بتوسع جديد. 6 ¯ وبعبارة اخرى ان اليمين الاسرائيلي يعتبر موجة المهاجرين الراهنة ذريعة او مبررا لسياسته في الاحتفاظ بالمناطق المحتلة. واذا وضعنا ملاحظات او تعليقات السيد شامير في سياقها التاريخي فقد أمنت موجات المهاجرين الاولى قيام دولة اسرائيل اما المهاجرين الذين تدفقوا عليها بعد عام 1948 فقد عززوا وضع الدولة واضافوا قوة لها بينما ستضطلع موجة الهجرة الراهنة بتعزيز سيطرة اسرائيل على المناطق التي احتلتها بعد حرب .1967 اما موقف حزب العمل فهو اشد تعقيدا, فقد كانت حكومة حزب العمل هي التي احتلت الاراضي العربية في حزيران .1967 وكانت حكومات حزب العمل المتتالية هي التي دشنت برامج الاستيطان وعززتها قبل ان يأتي الليكود الى الحكم بفترة طويلة. بل ان رئيسة الوزراء غولدا مئير (من حزب العمل) هي التي نفت ذات يوم وجود دولة اسمها فلسطين وشعب اسمه فلسطينيون مشيرة بذلك الى رفض مبدأ التسوية. ومع ذلك فان حزب العمل الان يقبل قرار مجلس الامن رقم 242 ويعلن استعداده لحضور مؤتمر السلام وتعهده بتحقيق السلام على اساس تسوية اقليمية. ويأتي هذا التحول في الموقف نتيجة عدة تطورات تشمل: 1 ¯ الانتفاضة الفلسطينية وفشل وسائل القمع الاسرائيلية في اخمادها. 2 ¯ تصعيد سباق التسلح واثاره على الاقتصاد الاسرائيلي. 3 ¯ ادراك اسرائيل بأن تفوقها العسكري على العرب هو تفوق تكتيكي وان احدا لا يستطيع ان يمنع العرب للأبد من الحصول على اسلحة استراتيجية لمواجهة ترسانة اسرائيل النووية. 4 ¯ الرفض الفلسطيني والعالمي المتواصل للاحتلال. 5 ¯ لم يعد التوسع عن طريق الغزو العسكري مقبولا ولا محتملا, كما ان المقاومة الفلسطينية سترفع كلفة ادارة المناطق المحتلة وستصبح هذه الكلفة اضعاف التي تكبدتها اسرائيل عن احتلالها لهذه المناطق. 6 ¯ الادراك المتزايد للقنبلة الديموغرافية الفلسطينية. 7 ¯ ويأمل حزب العمل ان يؤدي السلام الى تطبيع العلاقات وحرية الانتقال والتجارة والاستثمار وهذا ما سيتيح لاسرائيل بتفوقها التكنولوجي والتنظيمي والصناعي ان تحقق بواسطة السلام ما فشلت في تحقيقه عن طريق الحرب. ولا شك ان حزب العمل يرحب بالمهاجرين من منطلق ايديولوجي كما يرحب بازدهار الاقتصاد ودعم الجالية اليهودية في اميركا وابطال مفعول القنبلة الديموغرافية. وهذه المكاسب كلها يجلبها المهاجرون اليهود السوفيات تعزيزا لنفوذ اليهود الاشكناز الذين يشكلون العمود الفقري في حزب العمل. يتضح مما سلف بأن موجة الهجرة الراهنة الى اسرائيل ستؤثر حتما على مسيرة السلام وذلك عن طريق دعم المهاجرين لاحد المعسكرين السياسيين الرئيسيين في اسرائيل. وتشير بعض القرائن حتى الان بأن المهاجرين يتعاطفون اكثر مع اليمين الاسرائيلي لأنهم لا يثقون بالاشتراكية وهي الاساس الايديولوجي لحزب العمل.. انهم لا يثقون بالاتحاد السوفياتي الذي يتعاطف مع العرب كما ان الدعاية الاسرائيلية تصور العداء العربي للهجرة بأنه موقف معاد للسامية يهدف الى ابقاء المهاجرين في الاتحاد السوفياتي الذي قد يتعرضون فيه لحملة لا سامية روسية. لقد قام العالم السياسي شلومو افنيري من الجامعة العبرية باجراء دراسة استنتج منها بأن المهاجرين الذين حضروا من الاتحاد السوفياتي ولديهم توجهات يمينية سيغيرون نتائج الانتخابات في اسرائيل بعد ثلاث سنوات. واذا حدث ذلك فان الشلل السياسي سيمكن اليمين الاسرائيلي من الحليولة دون احراز اي تقدم في مسيرة السلام فترة تكفي لخلق حقائق جديدة على الارض تفرغ مسيرة السلام من مضمونها وتحولها الى عبث. وهناك عوامل اخرى ستساعد في تحديد التوجه السياسي للمهاجرين بما في ذلك الفائدة من المسيرة السلمية واحتمالات استمرارها وذلك عند ادلائهم بأصواتهم لاول مرة لان المسألة ستكون قد تقررت عندما يذهبون للادلاء بأصواتهم للمرة الثانية سيما وانهم سيقاومون اي جهد او محاولة لاعادة توطينهم في مكان اخر حتى لو كان ذلك في مصلحة السلام. وبالاضافة الى تأثيرها على السياسات الاسرائيلية فان موجة الهجرة الراهنة تؤثر ايضا على مواقف العرب من السلام وذلك بتغيير مفاهيمهم, ومن نافلة القول ان تطورات النزاع في الشرق الاوسط قد تأثرت الى درجة كبيرة بمفاهيم الطرفين المتنازعين عن بعضهما. وفي هذه المرحلة ستتأثر المفاهيم العربية بخمسة طرق: 1 ¯ يعتقد العرب ان البروسترويكا ادت الى تواطؤ بين القوتين العظميين ضد العرب. فقد ايدت اميركا ودعمت المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي المحتلة عن طريق الدعم السياسي والمالي والعسكري كما انها تبنت قضية اسرائيل والهجرة سواء بواسطة سن القوانين او بواسطة الدبلوماسية. واخيرا ساهمت في تدفق المهاجرين الى الاراضي المحتلة وذلك بتقييد عدد المهاجرين اليهود الذين تسمح لهم بدخول اراضيها. اما الاتحاد السوفياتي من جهته فقد سمح لليهود بمغادرة اراضيه قبل ان يتحقق السلام. وهو موقف ينسف المسيرة السلمية لانه يعزز موقف اليمين الاسرائيلي. ولاول مرة منذ ان قام الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر بادخال الاتحاد السوفياتي في شؤون الشرق الاوسط كحليف للعرب نلاحظ الان حملة انتقادات حادة للسوفيات في الصحافة العربية. وفي الثامن والعشرين من نيسان هذا العام القيت قنبلة حارقة على جمعية الصداقة الاردنية السوفياتية في عمان واتصل شخص مجهول بالهاتف ليعلن مسؤولية (الجبهة الاسلامية لتحرير فلسطين) عن الحادث وهي منظمة لم يسمع بها احد حتى الان.